محمد طاهر الكردي

251

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

نفسه أن يستخدم كل مواهبه العقلية لحل هذه المشكلة وقطع دابر التلاعب ، وفكر في أنه لو لم تكن أجرة البريد ، التي يدفعها المرسل إليه ، باهظة جدا لما ارتكبت تلك الفتاة ، بدافع الفقر ، ذلك الأمر الشائن ، وهو السرقة ، ولما كان عدد من يستخدمون البريد في توصيل رسائلهم ضئيلا جدا . وفكّر طويلا في هذه العقدة حتى توصّل إلى حلّها . فسارع وطلب الإذن في مقابلة أحد الوزراء ، فأجيب طلبه . وبعد أن شرح للوزير حكاية الفتاة ، وارتفاع أجور البريد ، قال : أرى يا معالي الوزير أنّه يجب ألا يزيد أجر الخطاب الواحد على ما يعادل أربع مليمات ، ولكي نمنع التلاعب منعا باتا ، يجب أن يدفع المرسل القيمة مقدما ، وطريقة ذلك أن يشتري قطعة من الورق ، على أحد وجهيها هذه العبارة : « قيمة البريد خالصة » . أما الوجه الآخر فيغطى بالصمغ ليلصق على الغلاف ، وما على إدارة البريد ، حالما تتسلم الخطاب ، إلّا أن تلغي هذه الورقة ، لئلا تستعمل مرة أخرى ، ثم عرض على الوزير نموذجا من اختراعه لما يجب أن تكون عليه هذه الورقة . وكان مربعا صغيرا من الورق ، على أحد وجهيه رسم يشبه الملكة فكتوريا ، أما الوجه الآخر فكان مغطى بالصمغ . وهنا اعتدل الوزير في مجلسه ، وسأل المخترع متهكما : « إن لم أخطئ فحضرتك أستاذ رياضيات ؟ » فقال هيل : « بالطبع ، كما تقولون معاليكم » . فقال الوزير له : « إذن يا سيدي يمكنك أن تقنع نفسك بحسبة بسيطة ، وأنت في منزلك ، بعدم فائدة هذا الاختراع » . ولما رأى المخترع أن هذه المقابلة لم تثمر الثمرة المرجوّة ، قرّر أن يقوم بالدعاية لمشروعه ، بنشر كتاب خاص عنه ، مدعما بالإحصائيات . واستعان بطلبه على توزيع نسخ الكتاب . ومن الغريب أن الحكومة البريطانية قبضت على بعضهم بتهمة توزيع الكتاب ، ومع ذلك فإن المشروع وجد كثيرين من المحبّذين والأنصار ، فانهالت الرسائل على إدارة البريد ، تطالبها بتقرير الطابع ذي الأربعة المليمات ، ومن الفئات التي اقترحها المخترع . ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل قامت المظاهرات تطالب الحكومة بتنفيذ المشروع على وجه السرعة . وحدثت معارك في الطرقات والشوارع ، والتحم البوليس بالأهالي ، وكادت تحدث فتنة ، لو لم يصل خبر الاختراع وذيوله إلى مسامع الملكة فيكتوريا ، فأرسلت تستدعي الأستاذ الشاب للتشرّف بمقابلة جلالتها ، وليعرض على مسامع الملكة تفاصيل اختراعه العجيب ، الذي أقام الإمبراطورية وأقعدها . وتشرّف المخترع بالمقابلة . وأطنب في شرح اختراعه أمام جلالتها ، وحدّثها عن حلمه الجميل في أن تكون